(إسطنبول) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن حملة القمع الكبيرة التي تشنها الحكومة التركية على الجمعيات والنشطاء المدافعين عن حقوق المثليين/ات، ومزدوجي/ات التوجه الجنسي، وعابري/ات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم-عين) تهدد سيادة القانون والحقوق الأساسية في تركيا.
بين 12 و14 سبتمبر/أيلول 2026، استهدفت مداهمات الشرطة المنسقة سبع جمعيات تدافع عن حقوق مجتمع الميم-عين وجماعتَيْن تدعمان الأشخاص المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى حانات وأندية ليلية في إسطنبول، وأنقرة، وإزمير، وأيدين، ومرسين. اعتقلت الشرطة 112 شخصا على الأقل، وما يزال 82 منهم محتجزين بموجب أوامر قضائية. ومن بين هؤلاء المحتجزين 24 شخصا على الأقل من نشطاء مجتمع الميم-عين، ومؤسسي الجمعيات المستهدفة أو مديريها التنفيذيين، إضافة إلى صحفية واحدة.
قال بنجامين وارد، نائب مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في هيومن رايتس ووتش: "هذه الحملة محاولة صارخة لتجريم مجتمع الميم-عين وتهميشه وإسكات الجمعيات التي تدافع عن حقوقه. ينبغي للحكومة التركية الإفراج فورا عن نشطاء مجتمع الميم-عين وغيرهم ممن اعتقلوا دون أدلة موثوقة على ارتكاب مخالفات جنائية، وإنهاء حملتها ضد جمعيات مجتمع الميم-عين".
في 12 سبتمبر/أيلول، أعلن وزير العدل التركي أكين غورلك أن 162 شخصا يخضعون للتحقيق في عملية أُطلق عليها اسم "عائلتي آمنة"، نُفذت في سياق مرسوم الرئيس رجب طيب أردوغان الصادر في مايو/أيار والذي أعلن فيه عن "عقد الأسرة".
في السنوات الأخيرة، يتذرع المسؤولون الأتراك مرارا بحماية ما يسمى القيم الأسرية لتبرير التمييز ضد مجتمع الميم-عين. قالت هيومن رايتس ووتش إن حملة القمع لا علاقة لها بحماية العائلات، بل تهدف تماما إلى ترسيخ التمييز البغيض.
أُجريت الاعتقالات والمداهمات على الجمعيات والشركات في مدن مختلف بوصفها تحقيقات منفصلة بأمر من النيابات العامة في تلك المدن.
أعلن وزير العدل أن التحقيقات تتضمن تهما جنائية تشمل "خدش الحياء"، والعمل الجنسي، وجرائم مرتبطة بالمخدرات. قال أيضا إن "الجمعيات التي تروّج لمجتمع الميم-عين والفساد الأخلاقي تتلقى تمويلا من مصادر دولية".
هذا التمويل – سواء كان من مصادر مرتبطة بـ"الاتحاد الأوروبي"، أو مصادر حكومية أجنبية، أو مؤسسات خاصة – قانوني تماما في تركيا، شريطة إخطار السلطات من قبل المتلقين. لا يوجد أي دليل على التقاعس عن الامتثال لهذا الالتزام، حيث تدقق السلطات التركية بانتظام في جميع الجمعيات لضمان امتثالها للقانون. وتستفيد الجمعيات والمجموعات الموالية لحكومة أردوغان، والحكومة نفسها، من تمويل الاتحاد الأوروبي.
في أنقرة، اعتقلت الشرطة 14 مسؤولا من مجلسي الإدارة والرقابة في المنظمة الرائدة لحقوق مجتمع الميم-عين "كاوس جي إل". وقال محاموها لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة استجوبتهم بالتفصيل بشأن التمويل الأجنبي للجمعية، والمحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي والموقع الإلكتروني التابع لها، وضم أعضاء جُدد، وآلية العمل الداخلي للجمعية.
وأمرت محكمة باحتجاز سبعة من أعضاء مجلسي الإدارة والرقابة في جمعية كاوس جي إل بزعم مخالفتهم قانون الجمعيات ولـ "خدش الحياء"، وأفرجت عن سبعة آخرين بموجب أوامر مراقبة قضائية. وتتضمن الأدلة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تحتوي على صورتَيْن لرجلَيْن يقبلان بعضهما.
كما أمرت المحكمة باحتجاز الصحفية توغبا تكرك. والدليل الوحيد الذي قدمه المدعي العام ضدها هو تقرير إخباري كتبته عام 2024 يتطرق إلى حقوق مجتمع الميم-عين في جورجيا، نُشر على البوابة الإخبارية لجمعية كاوس.
في مرسين، احتجزت محكمة ستة نشطاء، من بينهم محامٍ، مرتبطين بجمعيتَيْن لحقوق مجتمع الميم-عين في المدينة، واتهمتهم بـ "خدش الحياء" وجرائم مرتبطة بالعمل الجنسي. وفي كوش أداسي، احتجزت محكمة ناشطَيْن من مبادرة محلية لمجتمع الميم-عين.
في إسطنبول، شمل تحقيق المدعي العام في جمعيات حقوق مجتمع الميم-عين والمجموعات الداعمة للحق في الصحة للأشخاص المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية اعتقال نشطاء، ومؤسسين، ومديرين تنفيذيين للجمعيات للاشتباه في "تأسيس منظمة إجرامية أو قيادتها أو الانتماء إليها"، و"خدش الحياء"، والعمل الجنسي، وجرائم مرتبطة بالمخدرات، ومخالفة قوانين الجمعيات.
اطلعت هيومن رايتس ووتش على أمر بحظر النشر على ملف التحقيق، ما يعني أن المعلومات المتعلقة بالأدلة ومحتوى التحقيق محجوبة حاليا.
في 16 سبتمبر/أيلول، أمرت محكمة باحتجاز تسعة مديرين تنفيذيين، ومؤسسين، وأعضاء في جمعيات حقوق مجتمع الميم-عين "لامبدا إسطنبول" (Lambda Istanbul)، و"جمعية مجتمع الميم+ هفي" ( Hevi LGBTİ)، و"جمعية دراسات السياسة الاجتماعية والهوية الجندرية والتوجه الجنسي" (SPoD)، وجمعية "بوزيتيف إز" (Pozitif-İz) التي تدعم الأشخاص المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية. والتسعة محتجزون بزعم مخالفتهم قانون الجمعيات.
قالت هيومن رايتس ووتش إن هناك مخاوف جدية من أن السلطات ستشرع في إجراءات منفصلة لإغلاق منظمات الحقوق عقب احتجاز مديريها التنفيذيين ومؤسسيها وأعضائها.
في إزمير، وكوش أداسي، ومرسين، احتجزت المحاكم أيضا عشرات الأشخاص الآخرين بناء على شبهات "خدش الحياء" وجرائم مرتبطة بالعمل الجنسي والمخدرات. ولم يُعرف عنهم كونهم نشطاء في المجتمع المدني أو مدافعين عن الحقوق.
في 14 سبتمبر/أيلول، تدخلت الشرطة باستخدام رذاذ الفلفل لتفريق تجمع في إزمير احتجاجا على القمع ضد مجتمع الميم-عين واعتقلت شخصَيْن. وفي 15 سبتمبر/أيلول، حاصرت الشرطة واعتقلت أكثر من 100 شخص تجمعوا للاحتجاج على الحملة القمعية أمام محكمة تشاغلايان في إسطنبول. احتُجزوا لأكثر من 24 ساعة، ثم أُفرِج عنهم.
وفقا لـ "جمعية حرية التعبير"، التي ترصد القيود على المحتوى عبر الإنترنت في تركيا، أصدرت المحاكم بين 12 و16 سبتمبر/أيلول أوامر بحجب عشرات المنصات على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية التابعة لجمعيات مجتمع الميم-عين وغيرهم من حقوقيين، ونشطاء، وأفراد. كما صدرت أوامر بحجب حسابات "إكس" ("تويتر" سابقا) التابعة لـ "منظمة العفو الدولية" في تركيا، وجريدة "إفرنسيل" اليومية، و"جمعية حرية الإعلام والدراسات القانونية"، وهي مجموعة تُعنى بحرية الإعلام، و"مبادرة الحقوق"، وهي جمعية لحقوق الإنسان، وما تزال الحسابات محجوبة.
في 14 سبتمبر/أيلول، أصدر وزير العدل تعميما إلى النيابات العامة في مختلف أنحاء تركيا بعنوان "حماية الأسرة والشباب والمجتمع من انتهاكات الأخلاق العامة والمحتوى والكيانات السلبية". يشجع التعميم المدعين العامين على التحقيق في "الأنشطة التي تشجع على محو الفوارق الجندرية لدى الأطفال والشباب"، وجمع الأدلة الرقمية، والمطالبة بحجب المحتوى عبر الإنترنت أو إزالته. يحدد التعميم أن التحقيقات قد تتعامل مع هذه القضايا باعتبارها تنضوي تحت الجريمة المنظمة والجريمة المالية.
قال وارد: "التجريم الممنهج لجمعيات ونشطاء مجتمع الميم-عين وحجب المحتوى الإلكتروني المدافع عنهم أو الموثّق لنشاطهم جزء من هجوم أوسع تشنه حكومة أردوغان على الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات. استخدام خطاب 'القيم الأسرية' سلاحا لممارسة التمييز، والوصم، والقمع الحكومي يعرض الجميع للخطر".